القرطبي

311

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ومنه قيل للردئ من الكلام : خلف . ومنه المثل السائر " سكت ألفا ونطق خلفا " . فخلف في الذم بالإسكان ، وخلف بالفتح في المدح . هذا هو المستعمل المشهور . قال صلى الله عليه وسلم : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله " . وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر . قال حسان بن ثابت : لنا القدم الأولى إليك وخلقنا * لأولنا في طاعة الله تابع وقال آخر . إنا وجدنا خلفا بئس الخلف * أغلق عنا بابه ثم حلف ( 1 ) لا يدخل البواب إلا من عرف * عبد ا إذا ما ناء بالحمل وقف ويروى : خضف ، أي ردم ( 2 ) . والمقصود من الآية الذم . ( ورثوا الكتاب ) قال المفسرون : هم اليهود ، ورثوا كتاب الله فقرءوه وعلموه ، وخالفوا حكمه وأتوا محارمه مع دراستهم له . فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا . يأخذون عرض هذا الأدنى ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم . ( ويقولون سيغفر لنا ) وهم لا يتوبون . ودل على أنهم لا يتوبون . قوله تعالى : ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) والعرض : متاع الدنيا ، بفتح الراء . وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير . والإشارة في هذه الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة . ثم ذمهم باغترارهم في قولهم ( سيغفر لنا ) وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها ، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون ، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم . قلت : وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا . أسند الدارمي أبو محمد : حدثنا محمد بن المبارك حدثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن شيخ يكنى أبا عمرو عن معاذ

--> ( 1 ) كذا وردت هذه الأبيات في الأصول . والذي في اللسان " مادة خضف " . إنا وجدنا خلفا بئس خلفا بئس الخلف * عبد إذا ما ناء بالحمل خضف أغلق عنا بابه ثم حلف * لا يدخل البواب إلا من عرف ( 2 ) الردم : الضراط .